شَهْرُ رَجَبٍ: فَضْلُهُ وَمَكَانَتُهُ وَأَعْظَمُ أَحْدَاثِهِ
شَهْرٌ مِنَ الأَشْهُرِ الحُرُمِ، وَذِكْرَى الإِسْرَاءِ وَالمِعْرَاجِ، وَمَوْسِمٌ لِتَجْدِيدِ الإِيمَانِ وَالاسْتِعْدَادِ لِرَمَضَانَ
مقدمة
شهر رجب شهرٌ عظيم من شهور السنة الهجرية، وقد اختصه الله تعالى بمكانة عظيمة، إذ جعله واحدًا من الأشهر الحُرُم التي لها حرمة ومكانة في شريعة الإسلام.
ويأتي رجب في موضع كريم بين جمادى الآخرة وشعبان، فيفتح للمؤمن بابًا من أبواب مراجعة النفس، وتعظيم شعائر الله، والإقبال على الطاعة، والاستعداد لشهر شعبان ثم لشهر رمضان المبارك.
كما ارتبط اسم رجب في الذاكرة الإسلامية بحدث من أعظم أحداث السيرة النبوية، وهو رحلة الإسراء والمعراج، تلك الرحلة المباركة التي أكرم الله تعالى بها نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم، وأراه فيها من آياته الكبرى.
رجب شهرٌ من الأشهر الحرم، والإسراء والمعراج من أعظم معجزات النبي ﷺ، وفي هذه الرحلة المباركة فُرضت الصلاة التي هي أعظم صلة بين العبد وربه.
أولًا: رجب أحد الأشهر الحُرُم
قال الله سبحانه وتعالى:
سورة التوبة: 36
وقد بيّن رسول الله ﷺ أسماء هذه الأشهر الحرم في الحديث الصحيح.
قال رسول الله ﷺ:
«إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو القَعْدَةِ، وَذُو الحِجَّةِ، وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ»
رواه البخاري ومسلم
فثبت بذلك أن رجب واحد من الأشهر الأربعة التي عظّمها الله تعالى، وهو الشهر الفرد بينها، بينما تأتي الأشهر الثلاثة الأخرى متوالية.
ثانيًا: ماذا يعني تعظيم شهر رجب؟
إن تعظيم رجب ليس مجرد تعظيم اسم الشهر، وإنما هو تعظيم لما عظّمه الله تعالى، واستشعار لحرمة الزمان، والإقبال على الطاعات، والابتعاد عن الظلم والمعاصي.
قال تعالى بعد ذكر الأشهر الحرم:
سورة التوبة: 36
فالمؤمن إذا دخل شهرًا عظّمه الله، استشعر عظمة ربه، وراجع أعماله، وجدّد توبته، وأقبل على الخير بقلب أكثر حضورًا وخشوعًا.
ثالثًا: رجب والاستعداد لشهر رمضان
يأتي رجب قبل شعبان ورمضان، ولذلك كان فرصة عظيمة للمؤمن لكي يبدأ إصلاح نفسه قبل الوصول إلى أعظم مواسم العبادة.
ففي رجب يبدأ المؤمن بتجديد التوبة، والمحافظة على الصلاة، والإكثار من الذكر، وقراءة القرآن، والصدقة، وصلة الرحم، وإصلاح القلب.
ثم يأتي شعبان ليكون مرحلة أخرى من الاستعداد، ثم يأتي رمضان شهر القرآن والصيام والقيام والرحمة والمغفرة.
رجب بدايةُ الطريق، وشعبان تهيئةٌ للقلب، ورمضان موسمُ الرحمة والقرآن.
رابعًا: رحلة الإسراء والمعراج
ومن أعظم ما ارتبط بشهر رجب في الذاكرة الإسلامية رحلة الإسراء والمعراج، وهي من أعظم معجزات رسول الله ﷺ.
وقد ثبت أصل الإسراء بنص القرآن الكريم، فقال الله تعالى:
سورة الإسراء: 1
فقد أسرى الله سبحانه وتعالى بعبده ورسوله محمد ﷺ من المسجد الحرام في مكة المكرمة إلى المسجد الأقصى في بيت المقدس، ثم عُرج به إلى السماوات العلا، فرأى من آيات ربه الكبرى.
خامسًا: بداية رحلة الإسراء
ثبتت تفاصيل عظيمة من رحلة الإسراء والمعراج في الأحاديث الصحيحة، ومن ذلك حديث أنس رضي الله عنه في صحيح مسلم.
قال رسول الله ﷺ:
«أُتِيتُ بِالبُرَاقِ، وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ فَوْقَ الحِمَارِ وَدُونَ البَغْلِ، يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ»
رواه مسلم
وانطلق رسول الله ﷺ حتى وصل إلى المسجد الأقصى، ثم صلى بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، في مشهد عظيم يدل على وحدة أصل الرسالات السماوية وأن الأنبياء جميعًا دعوا إلى توحيد الله وعبادته.
سادسًا: رحلة المعراج إلى السماوات
ثم عُرج برسول الله ﷺ إلى السماوات، فاستفتح جبريل عليه السلام، ففتحت له أبواب السماوات، ولقي رسول الله ﷺ عددًا من إخوانه الأنبياء عليهم السلام.
فلقي آدم عليه السلام في السماء الأولى، وعيسى ويحيى عليهما السلام في الثانية، ويوسف عليه السلام في الثالثة، وإدريس عليه السلام في الرابعة، وهارون عليه السلام في الخامسة، وموسى عليه السلام في السادسة، وإبراهيم عليه السلام في السابعة.
ثم بلغ رسول الله ﷺ سدرة المنتهى، ورأى من آيات ربه الكبرى.
قال الله تعالى:
سورة النجم: 18
سابعًا: فرض الصلاة في رحلة المعراج
ومن أعظم ما وقع في رحلة المعراج أن الله تعالى فرض على أمة محمد ﷺ الصلاة.
وقد كانت الصلاة في أول الأمر خمسين صلاة في اليوم والليلة، ثم خفف الله تعالى عن هذه الأمة حتى أصبحت خمس صلوات في العمل، وخمسين في الأجر.
خمس صلوات في العمل، وخمسون في الأجر.
وهذه من أعظم الهدايا التي عادت بها رحلة الإسراء والمعراج إلى أمة محمد ﷺ.
ولهذا تبقى الصلاة أعظم أثر دائم من آثار تلك الرحلة المباركة؛ فهي الصلة التي تتجدد بين العبد وربه خمس مرات كل يوم.
ثامنًا: مكانة المسجد الأقصى في رحلة الإسراء
لقد اختار الله سبحانه وتعالى المسجد الأقصى ليكون محطة الإسراء، وهذا يدل على مكانته العظيمة في الإسلام.
قال الله تعالى:
سورة الإسراء: 1
فالمسجد الأقصى مسجد مبارك، ارتبط برسول الله ﷺ وبإخوانه الأنبياء، وكان مسرحًا لأول جزء من هذه الرحلة العظيمة.
تاسعًا: السابع والعشرون من رجب
اشتهر عند المسلمين أن ليلة السابع والعشرين من رجب هي ليلة الإسراء والمعراج، وأصبح هذا التاريخ معروفًا في كثير من البلاد الإسلامية، ويجتمع المسلمون فيه لإحياء ذكرى هذه الرحلة العظيمة والتذكير بدروسها ومعانيها.
أما من الناحية التاريخية، فإن تحديد ليلة الإسراء والمعراج بأنها ليلة السابع والعشرين من رجب لم يثبت بدليل قطعي صحيح يحدد التاريخ على وجه الجزم، وقد اختلف العلماء في تحديد زمن وقوع الرحلة. ومع ذلك، بقي يوم السابع والعشرين من رجب تاريخًا مشهورًا عند المسلمين لإحياء ذكرى الإسراء والمعراج.
السابع والعشرون من رجب هو التاريخ المشهور عند المسلمين لذكرى الإسراء والمعراج، مع بقاء تحديد التاريخ على وجه القطع أمرًا غير ثابت بدليل صحيح صريح.
والأهم من التاريخ هو استحضار عظمة الرحلة نفسها، وتذكر فضل الله على نبيه ﷺ، ومكانة الصلاة، ومكانة المسجد الأقصى، وعظمة قدرة الله سبحانه وتعالى.
عاشرًا: دروس عظيمة من الإسراء والمعراج
إن رحلة الإسراء والمعراج ليست مجرد حدث تاريخي، بل هي مدرسة إيمانية عظيمة تحمل للمؤمن معاني كثيرة.
- قدرة الله سبحانه وتعالى: فالله على كل شيء قدير.
- تكريم النبي ﷺ: فقد أكرمه الله بهذه الرحلة العظيمة وأراه من آياته الكبرى.
- مكانة الصلاة: فقد فُرضت الصلاة في هذه الرحلة المباركة.
- مكانة المسجد الأقصى: فقد كان إليه الإسراء.
- وحدة رسالة الأنبياء: فقد اجتمع رسول الله ﷺ بإخوانه الأنبياء.
- اليقين بالله: فالمؤمن يثق بقدرة الله مهما عظمت الأمور في نظر البشر.
- الرحمة بالأمة: فقد خُففت الصلوات من خمسين إلى خمس، وبقي الأجر خمسين.
الحادي عشر: ماذا يفعل المؤمن في شهر رجب؟
إذا دخل رجب، فليستشعر المسلم أنه دخل شهرًا من الأشهر التي عظّمها الله، وليجعل منه فرصة للعودة إلى الله سبحانه وتعالى.
فيكثر من الصلاة والذكر والاستغفار وقراءة القرآن والصدقة وبر الوالدين وصلة الرحم والإحسان إلى الناس، ويجعل قلبه أكثر استعدادًا لشهر رمضان.
ومن الطاعات العظيمة التي يستطيع المسلم أن يحافظ عليها في الأشهر الحرم الصيام التطوعي بحسب استطاعته، فقد ورد في الحديث:
قال رسول الله ﷺ:
«صُمْ مِنَ الحُرُمِ وَاتْرُكْ، صُمْ مِنَ الحُرُمِ وَاتْرُكْ، صُمْ مِنَ الحُرُمِ وَاتْرُكْ»
رواه أبو داود
وهكذا يكون رجب فرصة للزيادة في الخير، وتجديد العهد مع الله، وتهيئة النفس لاستقبال شعبان ورمضان بقلب أكثر صفاءً وإيمانًا.
الثاني عشر: رجب وتهيئة القلب لرمضان
ما أجمل أن يجعل المؤمن من رجب بداية جديدة.
فإذا كان في الصلاة تقصير، أصلحه. وإذا كان في القرآن هجر، عاد إليه. وإذا كانت في القلب غفلة، أيقظ قلبه بذكر الله. وإذا كانت هناك قطيعة رحم، بادر إلى الصلة. وإذا كانت هناك مظالم، سعى إلى رد الحقوق.
فالمواسم العظيمة ليست مجرد تواريخ تمر علينا، وإنما هي أبواب يفتحها الله لعباده حتى يعودوا إليه.
رجب فرصةٌ للتوبة، وشعبان فرصةٌ للاستعداد، ورمضان فرصةٌ للرحمة والمغفرة.
خاتمة
شهر رجب شهر كريم، عظّمه الله تعالى وجعله واحدًا من الأشهر الحرم، وفيه يستشعر المؤمن حرمة الزمان وعظمة الطاعة، ويجدد صلته بربه، ويتهيأ لمواسم الخير القادمة.
وفي الذاكرة الإسلامية ارتبط رجب بذكرى الإسراء والمعراج، تلك الرحلة العظيمة التي أكرم الله بها نبيه محمدًا ﷺ، وأراه فيها من آياته الكبرى، وفرض فيها الصلاة على أمته.
أما ليلة السابع والعشرين من رجب، فهي التاريخ المشهور عند المسلمين لذكرى الإسراء والمعراج، مع أن تحديد وقوع الرحلة في هذه الليلة على وجه القطع لم يثبت بدليل صحيح صريح.
ويبقى أعظم ما نتعلمه من هذه الرحلة أن الصلاة ليست مجرد عبادة نؤديها، بل هي هدية عظيمة من الله لهذه الأمة، وصلة بين العبد وربه، وأن قدرة الله سبحانه وتعالى فوق كل تصور، وأن بعد العسر يسرًا، وبعد الشدة فرجًا، وأن المؤمن إذا تعلق بربه فلن يضيع.
اللهم اجعل رجب شهر خير وبركة علينا، وأصلح قلوبنا وأعمالنا، وقرّبنا إليك، وبلّغنا شعبان ورمضان ونحن في أحسن حال، إيمانًا وصحةً وعافيةً وطاعة.
اللهم ارزقنا المحافظة على الصلاة، وحسن العبادة، وصدق التوبة، ونور القلب، وحسن الخاتمة.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
نَصْرَةُ الله
مدونة إسلامية تهتم بنشر الآيات الكريمة، والأحاديث الصحيحة، والمعاني الإيمانية والتدبر في آيات الله.


