بحث في المدونة

أقسام المدونة

اختر القسم لتصل إلى مقالاته

2026-11-01

قصة هابيل وقابيل في سورة المائدة

نَصْرَةُ الله | قصص القرآن الكريم

قصة ابني آدم: هابيل وقابيل

سورة المائدة | الآيات 27–31

مقدمة

تروي سورة المائدة قصة ابني آدم بالحق، حين قدم كل منهما قربانًا، فتقبل الله من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، ثم تحوّل الحسد إلى تهديد بالقتل، وانتهى الأمر بجريمة وندم.

وقد اشتهر في كتب التفسير اسما هابيل وقابيل، لكن الآيات لا تسميهما صراحة.

أولًا: القربان ومعيار القبول

﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾

سورة المائدة، الآية 27.

قدم ابنا آدم قربانين، فتقبل الله من أحدهما، ولم يتقبل من الآخر. وبدل أن يراجع صاحب القربان غير المقبول نفسه، هدّد أخاه بالقتل.

فأجابه أخوه بأن الله يتقبل من المتقين، مبينًا أن التقوى أساس القبول.

ثانيًا: رفض الاعتداء والخوف من الله

﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾

سورة المائدة، الآية 28.

أعلن الأخ المهدَّد أنه لا يريد أن يقابل محاولة قتله بقتل أخيه، وذكر خوفه من الله تعالى.

وفي هذا الموقف يظهر الفرق بين من يسيطر عليه الحسد ومن يضبط نفسه بتقوى الله.

ثالثًا: التحذير من عاقبة الجريمة

﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾

سورة المائدة، الآية 29.

حذّر الأخ أخاه من عاقبة الظلم والقتل، ومن المسؤولية العظيمة التي يتحملها المعتدي أمام الله.

رابعًا: وقوع القتل والخسارة

﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾

سورة المائدة، الآية 30.

زيّنت له نفسه الجريمة، فقتل أخاه وأصبح من الخاسرين. ويبين القرآن كيف يمكن للهوى والحسد أن يقودا إلى فعل عظيم الإثم.

خامسًا: الغراب وتعليم مواراة الجسد

﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾

سورة المائدة، الآية 31.

بعث الله غرابًا يبحث في الأرض، ليري القاتل كيف يواري جسد أخيه. وعند ذلك أدرك عجزه وأصبح من النادمين.

لكن الآية لا تصرح بأن ندمه كان توبة مقبولة، ولذلك لا نجزم بذلك.

الدروس والعبر

  • التقوى أساس قبول الأعمال.
  • الحسد قد يدفع صاحبه إلى أعظم الجرائم.
  • حرمة الدماء ووجوب اجتناب الظلم.
  • ضبط النفس والخوف من الله يحميان من العدوان.
  • الندم بعد الجريمة لا يمحو آثارها تلقائيًا.

خاتمة

تذكرنا قصة ابني آدم بأن القلب إذا استسلم للحسد والهوى فقد يقوده ذلك إلى الخسارة، وأن النجاة تكون بتقوى الله وصيانة النفس من الظلم.

نَصْرَةُ الله

سورة المائدة، الآيات 27–31 | تفسير ابن كثير وتفسير السعدي

نفي قتل وصلب عيسى عليه السلام في سورة النساء

نَصْرَةُ الله | قصص القرآن الكريم

نفي قتل وصلب عيسى عليه السلام

سورة النساء | الآيات 157–159

مقدمة

تتناول سورة النساء دعوى قتل المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام وصلبه، وترد عليها بنص قرآني واضح، ثم تخبر برفعه إلى الله تعالى.

وسنقتصر هنا على ما أثبتته الآيات، دون الجزم بتفاصيل هوية من وقع عليه الشبه أو كيفية حدوث ذلك؛ إذ لم يحددها النص.

أولًا: دعوى قتل المسيح

﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾

سورة النساء، من الآية 157.

تذكر الآية دعوى قوم أنهم قتلوا عيسى عليه السلام، ثم تنفي عنهم قتله وصلبه، وتقرر أن الأمر شُبّه لهم.

وهذا هو البيان القرآني الذي يقرره الإسلام بشأن هذه الحادثة.

ثانيًا: الظن لا يقوم مقام اليقين

﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾

سورة النساء، من الآية 157.

تقرر الآية أن الاختلاف في هذا الأمر صاحبه شك واتباع للظن، وتؤكد نفي قتل عيسى عليه السلام.

وفي ذلك تذكير بأهمية العلم اليقيني وعدم بناء المعتقدات على الظنون.

ثالثًا: رفع عيسى إلى الله

﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾

سورة النساء، الآية 158.

بعد نفي القتل والصلب، أخبر الله تعالى بأنه رفع عيسى إليه، وختم الآية باسميه العزيز الحكيم.

وهذا يبين كمال قدرة الله وحكمته، وأن تدبيره نافذ لا يعجزه شيء.

رابعًا: الإيمان بعيسى والشهادة يوم القيامة

﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾

سورة النساء، الآية 159.

تذكر الآية الإيمان بعيسى عليه السلام قبل الموت وشهادته يوم القيامة. وقد اختلف المفسرون في مرجع الضمير في قوله ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾، ومن أشهر الأقوال أنه يعود إلى عيسى عليه السلام.

الدروس والعبر

  • الإيمان بما أخبر الله به من الغيب.
  • التثبت وعدم اتباع الظنون.
  • الإقرار بقدرة الله وعزته وحكمته.
  • تعظيم عيسى عليه السلام بوصفه رسولًا كريمًا من رسل الله.

خاتمة

تقرر سورة النساء نفي قتل عيسى وصلبه، وتخبر برفعه إلى الله، وتذكّر بأن المرجع النهائي في أمور الغيب إلى الوحي الصادق.

اللهم ارزقنا العلم النافع واليقين والثبات على الحق.

نَصْرَةُ الله

سورة النساء، الآيات 157–159 | تفسير ابن كثير وتفسير السعدي

قصة بني إسرائيل ورفع الطور في سورة النساء

نَصْرَةُ الله | قصص القرآن الكريم

بنو إسرائيل ورفع الطور

سورة النساء | الآيات 153–155

مقدمة

تذكّر سورة النساء بمواقف من بني إسرائيل، منها مطالبتهم موسى عليه السلام بأمور عظيمة، وأخذ الميثاق عليهم، ورفع الطور فوقهم. وتكشف هذه الآيات خطورة نقض العهود والتهاون في أوامر الله.

أولًا: طلب رؤية الله جهرة

﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾

سورة النساء، من الآية 153.

تذكر الآية أن قومًا من بني إسرائيل طلبوا من موسى عليه السلام رؤية الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة بسبب ظلمهم. ويظهر من هذا الموقف خطر التعنت في طلب الآيات.

ثانيًا: عبادة العجل والعفو الإلهي

﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾

سورة النساء، من الآية 153.

تذكر السورة اتخاذ العجل بعد مجيء البينات، ثم عفو الله، وإيتاء موسى سلطانًا مبينًا. وفي ذلك تذكير بنعمة العفو بعد الذنب، وبعظمة مسؤولية الإنسان أمام دلائل الحق.

ثالثًا: رفع الطور وأخذ الميثاق

﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾

سورة النساء، الآية 154.

رفع الله الطور فوق بني إسرائيل عند أخذ الميثاق عليهم، وأمرهم بالدخول من الباب سجّدًا، ونهاهم عن الاعتداء في السبت.

وتؤكد الآية أن الميثاق لم يكن عهدًا عاديًا، بل وصفه الله بأنه غليظ، لما يتضمنه من التزام بالطاعة.

رابعًا: عاقبة نقض الميثاق

﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾

سورة النساء، الآية 155.

تذكر الآية جملة من أسباب المؤاخذة، وفي مقدمتها نقض الميثاق والكفر بآيات الله. وهي إدانة لأفعال من ارتكبوها، وليست حكمًا على جميع بني إسرائيل في كل زمان.

الدروس والعبر

  • الوفاء بالعهد من علامات صدق الإيمان.
  • تعظيم أوامر الله واجب على المؤمن.
  • التعنت ونقض المواثيق من أسباب الخسارة.
  • العفو الإلهي نعمة تستوجب الشكر والتوبة.

خاتمة

تعلمنا آيات رفع الطور أن العهود مع الله مسؤولية عظيمة، وأن الإيمان الحق يظهر في الطاعة والوفاء لا في مجرد الادعاء.

نَصْرَةُ الله

سورة النساء، الآيات 153–155 | تفسير ابن كثير وتفسير السعدي

2026-10-31

غزوة بدر وأحد في سورة آل عمران

غزوة بدر وأحد في سورة آل عمران

نَصْرَةُ الله | قصص القرآن الكريم

غزوتا بدر وأحد في سورة آل عمران

من نعمة النصر إلى دروس الابتلاء والثبات

الآيات 121–180، مع التركيز على مشاهد الغزوتين

مقدمة

تذكر سورة آل عمران غزوة بدر تذكيرًا بنصر الله للمؤمنين، ثم تعرض جوانب واسعة من أحداث غزوة أحد وما صاحبها من ابتلاء وتمحيص ودروس في الطاعة والصبر والتوكل على الله.

ولا تقدم السورة سردًا تاريخيًا متصلًا لكل تفاصيل المعركتين، بل تركز على المعاني الإيمانية والتربوية المرتبطة بهما.

أولًا: ذكر النصر في بدر

﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾

سورة آل عمران، الآية 123.

ذكّر الله المؤمنين بنصره لهم في بدر، مع أنهم كانوا في حال قلة وضعف بالنسبة إلى عدوهم.

ثم دعاهم إلى التقوى والشكر، حتى لا ينسوا أن النصر نعمة من الله تعالى.

ثانيًا: وعد المدد من الملائكة

﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ ۝ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾

سورة آل عمران، الآيتان 124–125.

تذكر الآيات وعدًا بالمدد من الملائكة، مرتبطًا بالصبر والتقوى في السياق القرآني.

وقد اختلف المفسرون في بعض تفاصيل تعلق هذه الآيات ببدر أو أحد، ولذلك لا نجزم هنا بتفاصيل تاريخية تتجاوز نص الآيات.

﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾

سورة آل عمران، الآية 126.

تقرر هذه الآية أن النصر الحقيقي من عند الله، وأن المدد سبب للبشرى وطمأنينة القلوب.

ثالثًا: الخروج إلى مواقع القتال في أحد

﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

سورة آل عمران، الآية 121.

تذكر الآية خروج النبي ﷺ من أهله لترتيب مواقع المؤمنين للقتال، وهو من المشاهد التي تناولها المفسرون في سياق غزوة أحد.

وفي ذلك يظهر الاهتمام بالتنظيم والاستعداد والأخذ بالأسباب.

رابعًا: ضعف بعض المؤمنين وتثبيت الله لهم

﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾

سورة آل عمران، الآية 122.

تخبر الآية أن طائفتين من المؤمنين همتا بالضعف والتراجع، لكن الله كان وليهما.

وتذكر المؤمنين بأن التوكل على الله من أعظم أسباب الثبات.

خامسًا: النهي عن الوهن والحزن

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ۝ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾

سورة آل عمران، الآيتان 139–140.

بعد ما أصاب المؤمنين من جراح في أحد، جاء التوجيه الإلهي بألا يستسلموا للوهن والحزن.

وبيّنت الآيات أن أيام النصر والابتلاء تتداول بين الناس، وأن الشدائد تكشف صدق الإيمان وتكون سببًا للتمحيص.

سادسًا: التذكير بأن الرسل بشر يموتون

﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾

سورة آل عمران، الآية 144.

تقرر الآية أن محمدًا ﷺ رسول من رسل الله، وأن الإيمان لا ينبغي أن يتوقف على بقاء الرسول حيًا.

وقد ربط المفسرون هذه الآية بما وقع من اضطراب بين بعض المؤمنين يوم أحد عند انتشار خبر مقتل النبي ﷺ.

والدرس العظيم هو الثبات على الدين والحق مهما تغيرت الظروف.

سابعًا: مخالفة الأمر وأثرها في أحد

﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾

سورة آل عمران، الآية 152.

توضح الآية أن المؤمنين رأوا في البداية ما يحبون من تقدم على عدوهم، ثم وقع بينهم تنازع وعصيان بعد ظهور بوادر النصر.

وكان ذلك سببًا في تغير مجرى القتال، وابتلاء المؤمنين.

ومع ذلك ختمت الآية بذكر عفو الله عنهم وفضله عليهم، ليبقى باب التوبة والإصلاح مفتوحًا.

ثامنًا: مشهد الانسحاب والابتلاء

﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾

سورة آل عمران، الآية 153.

تصور الآية حالة الاضطراب التي أصابت بعض المؤمنين، حين ابتعدوا في أثناء القتال والرسول ﷺ يدعوهم.

وفي هذا الموقف يظهر أثر الارتباك عند الشدائد، وأهمية الثبات والاستجابة للقيادة المشروعة.

تاسعًا: الشهداء أحياء عند ربهم

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ۝ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾

سورة آل عمران، الآيتان 169–170.

تبيّن الآيات مكانة الذين قتلوا في سبيل الله، وأن لهم عند ربهم حياة برزخية كريمة ورزقًا وفرحًا بفضله.

وفي سياق أحد، تحمل هذه الآيات تسلية عظيمة للمؤمنين وتذكيرًا بأن الأجر عند الله لا يضيع.

عاشرًا: الاستجابة بعد الجراح

﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ۝ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾

سورة آل عمران، الآيتان 172–173.

تمدح الآيات المؤمنين الذين استجابوا لله والرسول بعد ما أصابهم من جراح، ولم تمنعهم الشدائد من الثبات.

وعندما حُذّروا من تجمع الأعداء، ازدادوا إيمانًا وقالوا: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾.

وفي هذا درس عظيم في الشجاعة والثقة بالله بعد المحن.

الدروس والعبر من بدر وأحد

  • النصر من عند الله، ولا يعتمد على العدد وحده.
  • الشكر والتقوى من أعظم ما ينبغي بعد النصر.
  • التخطيط والاستعداد من الأخذ بالأسباب.
  • التنازع ومخالفة الأوامر قد يؤديان إلى نتائج مؤلمة.
  • الابتلاء وسيلة لتمحيص المؤمنين.
  • الثبات على الدين لا يرتبط بالأشخاص أو الظروف.
  • الرجوع إلى الله بعد الخطأ طريق للإصلاح.
  • التوكل على الله يمنح القلب قوة في مواجهة الخوف.

خاتمة

تجمع سورة آل عمران بين التذكير بنعمة النصر في بدر، وبيان ما وقع في أحد من اختبار وابتلاء، لتعلم المؤمنين أن النصر يحتاج إلى طاعة وصبر وتقوى، وأن الخطأ ينبغي أن يكون بابًا للتوبة والإصلاح.

فالمؤمن يتعلم من النصر كما يتعلم من الشدة، ويعلم أن الله لا يضيع أجر المحسنين.

اللهم ارزقنا الصبر والثبات وحسن التوكل عليك.

نَصْرَةُ الله

قصص القرآن الكريم | سورة آل عمران

المراجع: سورة آل عمران، الآيات 121–126، 139–140، 144، 152–153، 169–173؛ تفسير ابن كثير وتفسير السعدي للآيات المذكورة.

معجزات عيسى ومحاجّة نصارى نجران في سورة آل عمران

معجزات عيسى ومحاجّة نصارى نجران في سورة آل عمران

نَصْرَةُ الله | قصص القرآن الكريم

معجزات عيسى عليه السلام ومحاجّة نصارى نجران

سورة آل عمران | الآيات 48–64

مقدمة

تتناول سورة آل عمران جانبًا من رسالة عيسى عليه السلام، وتذكر المعجزات التي أيده الله بها، ثم تبين حقيقة خلقه، وتعرض الحجج القرآنية في الحوار مع من اختلفوا في شأنه.

وقد ذكر المفسرون أن من سياق هذه الآيات محاجّة وفد نصارى نجران، غير أن السورة لا تسمي نجران صراحة في هذه الآيات.

ونقف هنا عند المعاني والأحداث التي وردت في سورة آل عمران، دون إضافة تفاصيل الروايات التاريخية عن الوفد.

أولًا: تعليم عيسى الكتاب والحكمة

﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾

سورة آل عمران، الآية 48.

تذكر الآية أن الله تعالى علّم عيسى عليه السلام الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل، وأن رسالته قائمة على الوحي والعلم الذي آتاه الله.

ثانيًا: المعجزات التي أيد الله بها عيسى

﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾

سورة آل عمران، الآية 49.

أرسل الله عيسى عليه السلام إلى بني إسرائيل وأيده بآيات عظيمة، منها تشكيل هيئة طائر من الطين والنفخ فيه فيصير طائرًا بإذن الله، وإبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى بإذن الله، والإخبار بما يأكل الناس وما يدخرونه في بيوتهم.

وتؤكد الآية أن هذه المعجزات كانت بإذن الله، وليست قدرة مستقلة لعيسى عليه السلام عن قدرة خالقه.

ثالثًا: دعوة عيسى إلى تقوى الله وطاعته

﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ۝ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾

سورة آل عمران، الآيتان 50–51.

بيّن عيسى عليه السلام أنه جاء مصدقًا للتوراة، وأن الله أحل على يديه بعض ما كان محرمًا على بني إسرائيل.

وكان أساس دعوته واضحًا: تقوى الله وطاعته وعبادة الله وحده.

وفي قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ بيان صريح للتوحيد الذي دعا إليه.

رابعًا: الحواريون ونصرتهم لدعوة عيسى

﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ۝ رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾

سورة آل عمران، الآيتان 52–53.

عندما أحس عيسى عليه السلام الكفر من بعض قومه، طلب من ينصر دعوته إلى الله، فأعلن الحواريون إيمانهم واستعدادهم لنصرة الحق.

ثم توجهوا إلى الله بالدعاء، سائلين أن يكتبهم مع الشاهدين.

خامسًا: مكر المكذبين وتدبير الله

﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾

سورة آل عمران، الآية 54.

تخبر الآية عن مكر من عارضوا عيسى عليه السلام، وأن الله أبطل تدبيرهم بما شاء من حكمته وقدرته.

﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾

سورة آل عمران، الآية 55.

أخبر الله عيسى عليه السلام بأنه متوفيه ورافعه إليه ومطهره من الذين كفروا، وأن المرجع إلى الله يوم القيامة ليحكم بين المختلفين.

وقد تناول المفسرون معنى التوفي في هذه الآية، وذهب جمهورهم إلى أن الله رفع عيسى عليه السلام ولم يسلّمه إلى أعدائه.

سادسًا: الجزاء والحكم بالحق

﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ۝ وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ۝ ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾

سورة آل عمران، الآيات 56–58.

توضح هذه الآيات أن الله يحكم بالعدل بين عباده، وأن الإيمان والعمل الصالح طريق الأجر، بينما الكفر والظلم سبب للعقوبة.

سابعًا: حقيقة خلق عيسى ومثل آدم

﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ۝ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾

سورة آل عمران، الآيتان 59–60.

تقرر الآيات أن خلق عيسى عليه السلام دون أب ليس دليلًا على ألوهيته، بل هو من آيات قدرة الله، كما خلق آدم من تراب.

فالله يخلق ما يشاء، وأمره نافذ لا يعجزه شيء.

ثامنًا: دعوة المباهلة

﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾

سورة آل عمران، الآية 61.

بعد بيان حقيقة عيسى عليه السلام، جاء الأمر بدعوة من يستمر في المحاجّة إلى المباهلة، وهي الدعاء بأن تكون لعنة الله على الكاذبين.

وقد ربط المفسرون هذه الآية بمحاجّة نصارى نجران، مع أن اسم نجران لا يرد صراحة في النص القرآني.

تاسعًا: الدعوة إلى كلمة سواء

﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ۝ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ ۝ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾

سورة آل عمران، الآيات 62–64.

تختتم هذه الآيات بتقرير التوحيد، ثم دعوة أهل الكتاب إلى كلمة سواء تقوم على عبادة الله وحده وعدم الإشراك به.

وفي ذلك بيان لأهمية وضوح العقيدة، وإقامة الحجة، والدعوة إلى الحق بالكلمة المبينة.

الدروس والعبر

  • معجزات الأنبياء تقع بإذن الله وقدرته.
  • عيسى عليه السلام رسول كريم دعا إلى عبادة الله وحده.
  • الخلق على غير الأسباب المعتادة دليل على قدرة الله.
  • الإيمان والعمل الصالح أساس الجزاء الحسن.
  • الحوار في العقيدة ينبغي أن يقوم على العلم والحجة.
  • التوحيد هو الأصل الذي دعت إليه رسالات الأنبياء.

خاتمة

تبين سورة آل عمران مكانة عيسى عليه السلام ومعجزاته، وتؤكد أن كل ذلك من فضل الله وقدرته، ثم تعرض الحجج التي تقرر حقيقة خلقه وتدعو إلى التوحيد.

فليكن تأملنا في هذه الآيات سببًا لزيادة الإيمان بالله وتعظيم رسله، والحرص على العلم والحوار بالحكمة.

نَصْرَةُ الله

قصص القرآن الكريم | سورة آل عمران

المراجع: سورة آل عمران، الآيات 48–64؛ تفسير ابن كثير وتفسير السعدي للآيات المذكورة.

قصة مريم وزكريا ويحيى وعيسى في سورة آل عمران

قصة مريم وزكريا ويحيى وعيسى في سورة آل عمران

نَصْرَةُ الله | قصص القرآن الكريم

مريم ونذر أمها وكفالة زكريا وبشارة يحيى وعيسى عليهم السلام

سورة آل عمران | الآيات 33–47

مقدمة

تعرض سورة آل عمران مشاهد عظيمة من رحمة الله وفضله على عباده، تبدأ باصطفاء آل عمران، ثم نذر أم مريم ما في بطنها لله، وكفالة زكريا لمريم عليها السلام، وبشارة زكريا بيحيى، ثم اصطفاء مريم وبشارتها بعيسى عليه السلام.

وفي هذه الآيات تتجلى معاني الإخلاص والدعاء وحسن الظن بالله، كما يظهر أن قدرة الله لا تقف عند الأسباب المعتادة التي يعرفها البشر.

أولًا: اصطفاء آل عمران ونذر أم مريم

﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ۝ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

سورة آل عمران، الآيتان 33–34.

افتتحت الآيات بذكر اصطفاء الله تعالى لآدم ونوح وآل إبراهيم وآل عمران، تهيئة لبيان ما أنعم الله به على هذه الأسرة المباركة.

﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾

سورة آل عمران، الآية 35.

نذرت امرأة عمران ما في بطنها ليكون متفرغًا لعبادة الله وخدمة بيت العبادة، وسألت ربها قبول نذرها.

وتظهر في دعائها نية صادقة، إذ بدأت حياتها مع مولودها المنتظر بالتوجه إلى الله والإخلاص له.

ثانيًا: ولادة مريم والدعاء لها ولذريتها

﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾

سورة آل عمران، الآية 36.

عندما وضعت امرأة عمران مولودتها، سمّتها مريم، وتوجهت إلى الله بالدعاء أن يحفظها ويحفظ ذريتها من الشيطان الرجيم.

وفي هذا الموقف نرى عناية الأم بإيمان ابنتها وحمايتها الروحية منذ ولادتها.

ثالثًا: قبول مريم وكفالة زكريا لها

﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾

سورة آل عمران، الآية 37.

استجاب الله دعاء أم مريم، فتقبل ابنتها قبولًا حسنًا، ورعاها رعاية كريمة، وجعل زكريا عليه السلام كافلًا لها.

وكان زكريا كلما دخل على مريم المحراب وجد عندها رزقًا، فيسألها عن مصدره، فتجيبه بأنه من عند الله.

وهنا تتجلى حقيقة عظيمة: أن رزق الله واسع، وأنه سبحانه يرزق من يشاء بغير حساب.

رابعًا: دعاء زكريا وبشارته بيحيى

﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾

سورة آل عمران، الآية 38.

في ذلك الموضع دعا زكريا عليه السلام ربه أن يرزقه ذرية طيبة، متوجهًا إلى الله الذي لا يعجزه شيء.

﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾

سورة آل عمران، الآية 39.

جاءت البشارة لزكريا وهو قائم يصلي في المحراب، بأن الله سيرزقه يحيى، الذي وصفه القرآن بصفات عظيمة، منها السيادة والصلاح والنبوة.

خامسًا: تعجب زكريا والآية التي جعلها الله له

﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾

سورة آل عمران، الآية 40.

تعجب زكريا من البشارة، فقد بلغ الكبر وكانت امرأته عاقرًا، فجاءه الجواب بأن الله يفعل ما يشاء.

﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾

سورة آل عمران، الآية 41.

سأل زكريا ربه علامة، فجعل الله له ألا يكلم الناس ثلاثة أيام إلا بالإشارة، وأمره بكثرة الذكر والتسبيح.

وهكذا اقترنت البشارة بالعبادة والشكر والتوجه إلى الله.

سادسًا: اصطفاء مريم وطهارتها

﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ۝ يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾

سورة آل عمران، الآيتان 42–43.

أخبرت الملائكة مريم عليها السلام باصطفاء الله لها وتطهيرها، وأمرتها بالقنوت والسجود والركوع.

فكان هذا الاصطفاء تكريمًا عظيمًا، واقترن بالأمر بالمزيد من العبادة والخضوع لله.

سابعًا: التنافس على كفالة مريم

﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾

سورة آل عمران، الآية 44.

تخبر الآية عن اختلافهم فيمن يتولى كفالة مريم، وعن إلقاء أقلامهم للفصل في ذلك.

كما تؤكد أن هذا الخبر من الغيب الذي أوحاه الله إلى نبيه محمد ﷺ.

ثامنًا: بشارة مريم بعيسى عليه السلام

﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ۝ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾

سورة آل عمران، الآيتان 45–46.

بشرت الملائكة مريم عليها السلام بالمسيح عيسى ابن مريم، وذكرت من صفاته أنه وجيه في الدنيا والآخرة ومن المقربين، وأنه يكلم الناس في المهد وكهلًا ويكون من الصالحين.

﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾

سورة آل عمران، الآية 47.

تعجبت مريم من أن يكون لها ولد ولم يمسسها بشر، فجاءها البيان بأن الله يخلق ما يشاء، وأن أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون.

وتثبت هذه الآية خلق عيسى عليه السلام بقدرة الله دون أب، ولا تسرد في هذا الموضع تفاصيل ولادته التي وردت في سورة أخرى.

الدروس والعبر

  • الإخلاص لله من أعظم ما يبدأ به العمل الصالح.
  • الدعاء للأبناء بالهداية والحفظ من أسباب الخير.
  • الله يرزق من يشاء بغير حساب.
  • لا ينبغي اليأس من رحمة الله بسبب صعوبة الأسباب.
  • العبادة والشكر يرافقان نعم الله على عباده.
  • فضل العلم والطهارة والقنوت في حياة المؤمن.
  • قدرة الله تعالى لا تقف عند القوانين المعتادة للخلق.

خاتمة

تجمع هذه الآيات بين إخلاص أم مريم، وفضل الله على مريم، ودعاء زكريا، وبشارته بيحيى، ثم بشارة مريم بعيسى عليهم السلام.

وهي مشاهد تملأ القلب رجاءً وثقة بالله، وتعلمنا أن الدعاء والعبادة والإيمان بقدرته سبحانه من أعظم أسباب الطمأنينة.

اللهم ارزقنا الإخلاص، وذرية صالحة، ويقينًا بقدرتك ورحمتك.

نَصْرَةُ الله

قصص القرآن الكريم | سورة آل عمران

المراجع: سورة آل عمران، الآيات 33–47؛ تفسير ابن كثير وتفسير السعدي للآيات المذكورة.

قصة طالوت وجالوت في سورة البقرة

قصة مريم وزكريا ويحيى وعيسى في سورة آل عمران

نَصْرَةُ الله | قصص القرآن الكريم

قصة طالوت وجالوت في سورة البقرة

الإيمان والصبر والثبات في مواجهة القوة والعدد

الآيات 246–251

مقدمة

تروي سورة البقرة قصة جماعة من بني إسرائيل طلبوا من نبي لهم أن يبعث الله لهم ملكًا يقودهم للقتال في سبيل الله، فاختار الله لهم طالوت، ثم وقعت سلسلة من الاختبارات انتهت بمواجهة جالوت وجنوده.

وتكشف هذه القصة أن النصر لا يتحقق بكثرة العدد وحدها، بل بالإيمان والصبر والثبات والتوكل على الله تعالى.

أولًا: طلب بني إسرائيل ملكًا يقودهم

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾

سورة البقرة، الآية 246.

اجتمع جماعة من أشراف بني إسرائيل بعد زمن موسى عليه السلام، وطلبوا من نبي لهم أن يعيّن لهم ملكًا يقودهم في القتال.

وكانوا قد تعرضوا للإخراج من ديارهم وأبنائهم، فذكروا ذلك سببًا لرغبتهم في القتال.

لكن نبيهم حذرهم من احتمال التراجع إذا فُرض عليهم القتال، فأكدوا استعدادهم.

فلما كُتب عليهم القتال، تولى أكثرهم، ولم يثبت إلا قليل منهم.

وفي هذا المشهد يظهر الفرق بين إعلان الاستعداد والوفاء به عند الاختبار.

ثانيًا: اختيار طالوت ملكًا

﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾

سورة البقرة، الآية 247.

أخبر النبي قومه بأن الله اختار طالوت ملكًا عليهم، لكن بعضهم اعترض على هذا الاختيار، بحجة أنهم أحق بالملك منه وأنه لا يملك مالًا كثيرًا.

فبيّن لهم نبيهم أن الله اصطفاه، ومنحه بسطة في العلم والجسم.

وهكذا وضعت الآية معيارًا مهمًا للقيادة، وهو الكفاءة والقدرة والعلم، لا مجرد الغنى أو المكانة الاجتماعية.

ثالثًا: آية التابوت

﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾

سورة البقرة، الآية 248.

أخبرهم نبيهم أن علامة ملك طالوت هي مجيء التابوت، وفيه سكينة من الله وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون، تحمله الملائكة.

وكان ذلك آية تؤكد لهم أن اختيار طالوت كان بأمر الله تعالى.

ولا يحدد النص القرآني في هذه الآية جميع محتويات التابوت، ولذلك لا نجزم بتفاصيل لم ترد فيه.

رابعًا: اختبار النهر

﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾

سورة البقرة، الآية 249.

خرج طالوت بالجنود، فأخبرهم أن الله سيختبرهم بنهر، ونهاهم عن الشرب منه إلا من اغترف غرفة بيده.

لكن أكثرهم شربوا منه، ولم يلتزم بالأمر إلا قليل.

وبعد تجاوز النهر، ظهر خوف بعضهم من مواجهة جالوت وجنوده، بينما ثبت أصحاب اليقين، وذكّروا إخوانهم بأن الفئة القليلة قد تنتصر على الفئة الكثيرة بإذن الله.

وفي هذا الاختبار تظهر أهمية الطاعة والانضباط والصبر قبل مواجهة الشدائد.

خامسًا: دعاء المؤمنين عند مواجهة جالوت

﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾

سورة البقرة، الآية 250.

عندما واجه المؤمنون جالوت وجنوده، لجؤوا إلى الله تعالى بالدعاء.

فسألوه الصبر والثبات والنصر، لأنهم أدركوا أن القوة الحقيقية لا تكون بالعدد والعدة وحدهما، بل بتوفيق الله ومعونته.

وكان دعاؤهم جامعًا لأسباب الثبات: الصبر في القلب، والثبات في الموقف، وطلب النصر من الله.

سادسًا: انتصار المؤمنين وقتل داود لجالوت

﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾

سورة البقرة، الآية 251.

تحقق النصر للمؤمنين بإذن الله تعالى، فهزموا جالوت وجنوده، وقتل داود عليه السلام جالوت.

ثم أخبر الله تعالى أنه آتى داود الملك والحكمة، وعلّمه مما يشاء.

وتختتم الآية ببيان سنة عظيمة، وهي أن الله يدفع الناس بعضهم ببعض، ولولا ذلك لفسدت الأرض.

وهكذا تنتهي القصة بتأكيد فضل الله على عباده، وأن النصر والعلم والملك كلها من عطاياه سبحانه.

الدروس والعبر المستفادة

  • الصدق في العمل أهم من مجرد إعلان النيات.
  • القيادة تحتاج إلى العلم والكفاءة والقدرة.
  • الطاعة والانضباط من أسباب النجاح.
  • الابتلاء يكشف حقيقة الثبات والإيمان.
  • قلة العدد لا تعني حتمية الهزيمة.
  • الصبر والتوكل على الله من أسباب النصر.
  • الدعاء مصدر قوة للمؤمن في مواجهة الشدائد.
  • النصر والملك والحكمة من فضل الله تعالى.

خاتمة

تعلّمنا قصة طالوت وجالوت أن الطريق إلى النصر يمر عبر الاختبار والطاعة والصبر والثبات، وأن العبرة ليست بكثرة العدد أو المال، وإنما بصدق الإيمان والأخذ بالأسباب والتوكل على الله.

فلنستحضر دائمًا قول المؤمنين: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.

اللهم أفرغ علينا صبرًا، وثبّت أقدامنا، وارزقنا حسن التوكل عليك.

نَصْرَةُ الله

قصص القرآن الكريم | سورة البقرة

المراجع: القرآن الكريم، سورة البقرة، الآيات 246–251؛ تفسير ابن كثير وتفسير السعدي للآيات المذكورة.

قصة أصحاب السبت في سورة البقرة

قصة أصحاب السبت في سورة البقرة

نَصْرَةُ الله | قصص القرآن الكريم

قصة أصحاب السبت في سورة البقرة

عاقبة الاعتداء على حدود الله

الآيتان 65–66

مقدمة

ورد في سورة البقرة تذكير لبني إسرائيل بما وقع من بعض أسلافهم الذين اعتدوا في السبت، فاستحقوا عقوبة عظيمة من الله تعالى.

وتعرض السورة هذا الحدث في آيتين، دون تفصيل كيفية الاعتداء أو ظروفه، مع بيان العقوبة والحكمة من جعلها عبرة للناس.

وفي هذا المقال نقف عند ما ورد في سورة البقرة تحديدًا، دون إضافة أحداث القصة المفصلة في سور أخرى.

أولًا: الاعتداء في السبت

﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾

سورة البقرة، الآية 65.

يخاطب الله تعالى بني إسرائيل مذكرًا إياهم بما علموه من خبر الذين اعتدوا منهم في السبت.

والاعتداء هو تجاوز ما حدده الله تعالى من أمر ونهي، وعدم الالتزام بما فرضه على عباده.

وقد وقع من هؤلاء اعتداء متعلق بحرمة السبت، فاستحقوا العقوبة الإلهية.

ولا تذكر الآية هنا تفاصيل صيد السمك أو كيفية وقوع المخالفة، وإنما تركز على حقيقة الاعتداء وعاقبته.

ثانيًا: العقوبة الإلهية

قال تعالى: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾.

أخبر الله تعالى أنه عاقب المعتدين بأن قال لهم: كونوا قردة خاسئين.

وقد فسر جمهور المفسرين ذلك بأنه مسخ حقيقي وقع عقوبة لهم، وأن وصف ﴿خَاسِئِينَ﴾ يدل على الذل والإبعاد والصغار.

وهذه العقوبة الخاصة كانت آية من آيات قدرة الله وعدله، وتحذيرًا من الاستهانة بأوامره.

ولا ينبغي أن يُفهم من هذه الآية أن كل من يرتكب معصية يتعرض للعقوبة نفسها؛ فقد أخبر القرآن عن عقوبة معينة لقوم معينين.

ثالثًا: جعل العقوبة نكالًا وموعظة

﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾

سورة البقرة، الآية 66.

بيّن الله تعالى أن ما وقع كان نكالًا، أي عقوبة رادعة يتعظ بها من يعلم خبرها.

كما جعلها موعظة للمتقين، الذين يخافون الله ويحرصون على طاعته واجتناب معصيته.

فلم يكن ذكر القصة لمجرد الإخبار عن حدث مضى، وإنما ليبقى درسًا في احترام حدود الله وتعظيم أوامره.

رابعًا: لماذا كانت القصة موعظة للمتقين؟

لأن المتقي إذا سمع خبر قوم تجاوزوا أمر الله ثم أصابتهم العقوبة، ازداد حرصًا على الطاعة وبعدًا عن المعصية.

وتعلمنا الآيات أن المؤمن لا يستهين بما أمر الله به، ولا يتعامل مع حدود الله على أنها أمور يمكن تجاوزها دون مسؤولية.

كما تذكرنا بأن العبرة من القصص القرآني ليست إدانة أجيال كاملة بسبب فعل جماعة من أسلافها، بل الاعتبار بأفعال من وقع منهم الاعتداء.

الدروس والعبر المستفادة

  • وجوب تعظيم أوامر الله وعدم الاستهانة بها.
  • تجاوز حدود الله من أسباب استحقاق العقوبة.
  • القصص القرآني وسيلة للتذكير والاتعاظ.
  • التقوى تدفع المؤمن إلى الاستفادة من أخبار السابقين.
  • الإنسان مسؤول عن أفعاله واختياراته.
  • العبرة بالقصة هي إصلاح النفس لا مجرد معرفة أحداث الماضي.

خاتمة

تقدم لنا سورة البقرة خبر أصحاب السبت في آيتين موجزتين تحملان تحذيرًا واضحًا من الاعتداء على حدود الله، وتبينان أن العقوبة التي وقعت كانت نكالًا وموعظة للمتقين.

فلنحرص على طاعة الله وتعظيم أوامره، ولنجعل من قصص القرآن سبيلًا إلى إصلاح قلوبنا وأعمالنا.

اللهم اجعلنا من المتقين الذين يعتبرون بآياتك ويستقيمون على طاعتك.

نَصْرَةُ الله

قصص القرآن الكريم | سورة البقرة

المراجع: القرآن الكريم، سورة البقرة، الآيتان 65–66؛ تفسير ابن كثير وتفسير السعدي للآيتين.

قصة الذي مر على قرية خاوية في سورة البقرة

قصة الذي مر على قرية خاوية في سورة البقرة

نَصْرَةُ الله | قصص القرآن الكريم

قصة الذي مرّ على قرية خاوية

سورة البقرة | الآية 259

آية عظيمة من آيات البعث وقدرة الله على إحياء الموتى

مقدمة

من أعظم القصص التي وردت في سورة البقرة قصة رجل مرّ على قرية قد تهدمت مبانيها وخلت من سكانها، فتساءل كيف يحيي الله هذه القرية بعد موتها.

فأراه الله تعالى آية عظيمة من آيات قدرته، إذ أماته مائة عام ثم بعثه، وأظهر له كيف يعيد الحياة بعد الموت.

وقد وردت هذه القصة في آية واحدة من سورة البقرة، لكنها تحمل معاني عميقة في الإيمان بالبعث واليقين بقدرة الله سبحانه وتعالى.

الآية القرآنية الكريمة

﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

سورة البقرة، الآية 259.

أولًا: المرور على القرية الخاوية

يبدأ المشهد القرآني برجل يمرّ على قرية خاوية على عروشها، أي قد تهدمت مبانيها وسقطت سقوفها، وظهرت عليها آثار الخراب.

وقف الرجل أمام هذا المشهد وتأمل ما حل بالقرية، ثم قال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.

وكان سؤاله متعلقًا بكيفية إعادة الحياة إلى ما أصابه الخراب والموت، فأراد الله تعالى أن يريه دليلًا محسوسًا على عظيم قدرته.

ولم يذكر القرآن اسم الرجل ولا اسم القرية، ولذلك لا يصح الجزم بهويتهما اعتمادًا على الآية وحدها.

ثانيًا: الموت مائة عام ثم البعث

قال الله تعالى: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾.

أمات الله الرجل مدة مائة سنة كاملة، ثم أعاده إلى الحياة بقدرته.

وبعد بعثه سُئل: ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾، فأجاب: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾.

لقد ظن أن المدة كانت قصيرة، فجاءه البيان بأنه لبث مائة عام.

وفي هذا الموقف يظهر أن تقدير الإنسان للزمن محدود، وأن الله سبحانه وتعالى هو المتصرف في الحياة والموت والزمن كله.

ثالثًا: الطعام والشراب اللذان لم يتغيرا

قال تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾.

أمر الله الرجل أن ينظر إلى طعامه وشرابه، فوجدهما لم يتغيرا رغم مرور مائة عام.

وهذه آية أخرى من آيات قدرة الله؛ فقد حفظ الطعام والشراب من التغير طوال تلك المدة.

فالذي يحفظ ما جرت العادة بتغيره قادر على إعادة الحياة إلى ما مات.

رابعًا: الحمار وإحياء العظام

قال تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾.

وجّه الله تعالى نظر الرجل إلى حماره، وإلى العظام وكيف يرفع بعضها ويجمعها ثم يكسوها لحمًا.

وهكذا شاهد الرجل مظهرًا من مظاهر الإحياء بعد الموت، ورأى أن الله قادر على إعادة الأجساد بعد فنائها.

وقد جعل الله هذا الحدث آية للناس، ليتذكروا أن البعث حق وأن القدرة الإلهية لا يعجزها شيء.

خامسًا: اليقين بقدرة الله

اختُتمت القصة بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.

بعد أن شاهد الرجل هذه الآيات العظيمة، أعلن يقينه بأن الله قادر على كل شيء.

وهذه هي الغاية الإيمانية الكبرى من القصة: أن البعث بعد الموت حق، وأن الله الذي خلق الإنسان أول مرة قادر على إعادته.

الدروس والعبر المستفادة

  • الله سبحانه وتعالى قادر على إحياء الموتى بعد فنائهم.
  • البعث بعد الموت حقيقة ثابتة بقدرة الله.
  • علم الإنسان محدود مهما بلغت معرفته.
  • التفكر في آيات الله يزيد الإيمان واليقين.
  • الزمن والحياة والموت كلها خاضعة لقدرة الله.
  • لا يعجز الله شيء في الأرض ولا في السماء.

خاتمة

تذكرنا قصة الذي مرّ على قرية خاوية بأن الحياة والموت بيد الله وحده، وأن إعادة الخلق ليست مستحيلة على من خلق كل شيء.

فلنجعل من هذه القصة بابًا للتفكر في قدرة الله والاستعداد ليوم البعث والحساب.

اللهم ارزقنا يقينًا صادقًا، وإيمانًا ثابتًا، وحسن الاستعداد للقائك.

نَصْرَةُ الله

قصص القرآن الكريم | سورة البقرة

المراجع: القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية 259؛ تفسير ابن كثير وتفسير السعدي للآية.

قصة بقرة بني إسرائيل في سورة البقرة

قصة بقرة بني إسرائيل في سورة البقرة

نَصْرَةُ الله | قصص القرآن الكريم

قصة بقرة بني إسرائيل في سورة البقرة

من كثرة السؤال إلى ظهور آية من آيات قدرة الله

الآيات 67–73

مقدمة

من القصص العظيمة التي وردت في سورة البقرة قصة أمر الله تعالى بني إسرائيل بذبح بقرة على لسان نبيه موسى عليه السلام.

وتكشف هذه القصة خطورة التردد في امتثال الأمر الإلهي، وكثرة السؤال على وجه التعنت، كما تعرض آية عظيمة من آيات قدرة الله على إحياء الموتى.

أولًا: الأمر بذبح بقرة

﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾

سورة البقرة، الآية 67.

أخبر موسى عليه السلام قومه بأن الله يأمرهم بذبح بقرة، لكنهم لم يبادروا إلى التنفيذ، بل استغربوا الأمر وقالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾.

فأجابهم موسى عليه السلام بأنه يستعيذ بالله أن يكون من الجاهلين.

وفي هذا بيان لجدية أمر الله، وأن الأنبياء يبلغون ما أوحاه الله إليهم بالحق.

ثانيًا: السؤال عن عمر البقرة

﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾

سورة البقرة، الآية 68.

سأل بنو إسرائيل عن صفة البقرة من حيث السن، فجاءهم الجواب بأنها ليست كبيرة مسنة، ولا صغيرة، بل متوسطة العمر.

وجاءهم التوجيه الواضح: ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾.

ومع ذلك لم ينته سؤالهم عند هذا الحد.

ثالثًا: السؤال عن لون البقرة

﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾

سورة البقرة، الآية 69.

سألوا موسى عليه السلام عن لون البقرة، فجاء الجواب بأنها صفراء شديدة الصفرة، جميلة المنظر، تسر من ينظر إليها.

وهكذا أصبحت صفات البقرة أكثر تحديدًا، لكن القوم واصلوا السؤال.

رابعًا: السؤال عن عمل البقرة وصفاتها

﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾

سورة البقرة، الآية 70.

عادوا يسألون عن مزيد من الصفات، وذكروا أن البقر قد تشابه عليهم، وأنهم يرجون الاهتداء إلى البقرة المطلوبة.

﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾

سورة البقرة، الآية 71.

جاء البيان الأخير بأن البقرة غير مذللة للعمل في حراثة الأرض أو سقي الزرع، سليمة من العيوب، ليس فيها لون يخالف لونها الأصلي.

وعند ذلك قالوا: ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾، ثم ذبحوها بعد تردد شديد، كما يفهم من قوله تعالى: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾.

خامسًا: كشف حقيقة القتيل

﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾

سورة البقرة، الآية 72.

تكشف هذه الآية أن حادثة قتل وقعت بينهم، وأنهم تدافعوا التهمة واختلفوا في أمر القتيل.

لكن الله تعالى أخبر بأنه سيظهر ما كانوا يكتمونه.

ولا يحدد النص القرآني اسم القتيل أو القاتل، ولا تفاصيل القرابة بينهما، ولذلك لا نجزم بما لم يرد في الآيات.

سادسًا: آية إحياء الموتى

﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾

سورة البقرة، الآية 73.

أمر الله تعالى أن يُضرب القتيل ببعض البقرة المذبوحة، فجعل ذلك آية من آيات قدرته على إحياء الموتى.

وقد ذكر المفسرون أن القتيل أحياه الله فأخبر عن قاتله، لكن الآية نفسها لا تذكر اسمه ولا تعين الجزء الذي ضُرب به.

وختم الله تعالى هذا المشهد بقوله: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.

فالقصة ليست مجرد أمر بذبح بقرة، بل هي أيضًا دليل على قدرة الله على البعث، وأنه لا يخفى عليه ما يكتمه الناس.

الدروس والعبر المستفادة

  • المبادرة إلى طاعة الله خير من التردد والتسويف.
  • كثرة السؤال على وجه التعنت قد تؤدي إلى المشقة.
  • أوامر الله قائمة على الحكمة، ولو خفيت على الإنسان.
  • الله يعلم ما يخفيه الناس، ويقدر على إظهار الحق.
  • إحياء الموتى حق، والله قادر على البعث بعد الموت.
  • التواضع أمام النصوص الشرعية من علامات صدق الإيمان.

خاتمة

تُظهر قصة بقرة بني إسرائيل كيف تحوّل أمر واضح إلى سلسلة من الأسئلة والتردد، ثم انتهى المشهد بآية عظيمة تكشف قدرة الله على إحياء الموتى وإظهار الحق.

فلنتعلم من هذه القصة حسن الاستجابة لأوامر الله، والبعد عن التعنت، والثقة بحكمته سبحانه وتعالى.

اللهم اجعلنا من عبادك الذين يسمعون الحق فيتبعونه.

نَصْرَةُ الله

قصص القرآن الكريم | سورة البقرة

المراجع: سورة البقرة، الآيات 67–73؛ تفسير ابن كثير وتفسير السعدي للآيات المذكورة.

قصة خلق آدم وسجود الملائكة وامتناع إبليس في سورة البقرة

قصة خلق آدم في سورة البقرة

نَصْرَةُ الله | قصص القرآن الكريم

خلق آدم وسجود الملائكة وامتناع إبليس

سورة البقرة | الآيات 30–34

مقدمة

من أعظم المشاهد التي تعرضها سورة البقرة خبر خلق آدم عليه السلام، وإخبار الملائكة بجعل خليفة في الأرض، وتعليم آدم الأسماء، ثم الأمر الإلهي للملائكة بالسجود له، وامتناع إبليس عن الامتثال.

تكشف هذه الآيات جانبًا من حكمة الله تعالى في خلق الإنسان، وفضل العلم، وخطورة الكبر والاستعلاء على أمر الله.

أولًا: إعلان جعل خليفة في الأرض

﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾

سورة البقرة، الآية 30.

أخبر الله تعالى الملائكة بأنه جاعل في الأرض خليفة، فسألوا عن الحكمة من ذلك، مع ذكر ما قد يقع من فساد وسفك للدماء.

ولم يكن سؤال الملائكة اعتراضًا على الله، وإنما سؤالًا لطلب الفهم، كما يوضحه أهل التفسير.

فجاء الجواب الإلهي الجامع: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.

وفي هذا تذكير بأن علم المخلوقات محدود، وأن حكمة الله تعالى أوسع مما تدركه العقول.

ثانيًا: تعليم آدم الأسماء

﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾

سورة البقرة، الآية 31.

علّم الله آدم عليه السلام الأسماء كلها، ثم عرض المسميات على الملائكة وسألهم أن ينبئوه بأسمائها.

وقد أظهر هذا الموقف فضل ما علّم الله آدم، وأن العلم عطية عظيمة من الله سبحانه وتعالى.

﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾

سورة البقرة، الآية 32.

أقرت الملائكة بأن علمها لا يتجاوز ما علّمها الله، ونزّهته عن كل نقص، وأثنت عليه بالعلم والحكمة.

وهذا أدب عظيم ينبغي أن يتحلى به كل طالب علم: الاعتراف بحدود المعرفة، ورد الفضل إلى الله.

ثالثًا: إظهار علم آدم

﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾

سورة البقرة، الآية 33.

أمر الله تعالى آدم أن يخبر الملائكة بالأسماء، ففعل، وظهر لهم ما خصه الله به من العلم.

ثم ذكّرهم سبحانه بأنه يعلم غيب السماوات والأرض، وما يظهره الخلق وما يخفونه.

فالعلم الإلهي محيط بكل شيء، ولا يخفى عليه ظاهر ولا باطن.

رابعًا: سجود الملائكة وامتناع إبليس

﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾

سورة البقرة، الآية 34.

أمر الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم عليه السلام، فامتثلوا لأمره سبحانه، إلا إبليس، فقد أبى واستكبر.

وكان السجود لآدم بأمر الله تكريمًا له، وليس عبادة لآدم؛ فالعبادة لا تكون إلا لله وحده.

أما إبليس فقد أظهر الكبر ورفض الامتثال للأمر الإلهي، فكان امتناعه عصيانًا عظيمًا.

وتقتصر سورة البقرة في هذا الموضع على بيان امتناعه واستكباره، دون تفصيل الحوار الذي ورد في سور أخرى.

الدروس والعبر من الآيات

  • حكمة الله تعالى أوسع من إدراك المخلوقات.
  • العلم من أعظم النعم التي يمنحها الله لعباده.
  • الاعتراف بحدود العلم من صفات المتواضعين.
  • طاعة الله مقدمة على الرأي والهوى.
  • الكبر قد يمنع صاحبه من قبول الحق.
  • الكرامة الحقيقية مرتبطة بما يمنحه الله لعباده من فضل وهداية.

خاتمة

تبدأ هذه الآيات بإظهار حكمة الله تعالى في جعل الإنسان خليفة في الأرض، ثم تبين فضل العلم الذي علّمه الله آدم، وتنتهي بمشهد الطاعة من الملائكة والكبر من إبليس.

فليكن لنا في هذه القصة درس في التواضع، وطلب العلم، والامتثال لأوامر الله تعالى.

اللهم ارزقنا علمًا نافعًا، وقلبًا متواضعًا، وطاعة صادقة.

نَصْرَةُ الله

قصص القرآن الكريم | سورة البقرة

المراجع: سورة البقرة، الآيات 30–34؛ تفسير ابن كثير وتفسير السعدي للآيات المذكورة.

قصة إبراهيم عليه السلام في سورة البقرة

قصة خلق آدم في سورة البقرة

نَصْرَةُ الله | قصص القرآن الكريم

قصة إبراهيم عليه السلام في سورة البقرة

محاجّة الملك • إحياء الموتى بالطير • رفع قواعد الكعبة

مقدمة: رحلة الإيمان واليقين

تأخذنا سورة البقرة في رحلة إيمانية عظيمة مع خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام، فتعرض لنا مواقف من حياته تكشف قوة التوحيد، وصدق الإيمان، وعظمة قدرة الله تعالى، وشرف الطاعة والعبادة.

وفي هذه المقالة نتأمل ثلاث قصص قرآنية: محاجّة إبراهيم للملك الذي جادله في ربه، وسؤاله ربه أن يريه كيف يحيي الموتى، ثم رفعه قواعد البيت الحرام مع ابنه إسماعيل عليهما السلام.

وهي مواقف تجمع بين قوة الحجة، وطمأنينة القلب، والإخلاص في العمل.

القصة الأولى: إبراهيم ومحاجّة الملك

يخبرنا القرآن الكريم عن ملك جادل إبراهيم عليه السلام في ربه، وقد اغتر بما آتاه الله من ملك وسلطان، حتى دفعه الكبر إلى معارضة الحق.

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾

سورة البقرة، الآية 258

كيف جرت المحاجّة؟

أعلن إبراهيم عليه السلام أن ربه هو الذي يحيي ويميت، فادعى الملك أنه يملك الإحياء والإماتة. ولم يكن ادعاؤه دليلاً على امتلاكه القدرة الإلهية الحقيقية.

فانتقل إبراهيم عليه السلام إلى حجة ظاهرة لا يستطيع الملك دفعها، فقال إن الله يأتي بالشمس من المشرق، وطلب منه أن يأتي بها من المغرب.

وهنا انقطعت حجة الملك، وظهر عجزه أمام قدرة الله سبحانه وتعالى.

هل كان هذا الملك هو النمرود؟

اشتهر في كتب التفسير أن الملك المذكور هو النمرود، لكن القرآن الكريم لم يذكر اسمه صراحة. ولذلك ينبغي التمييز بين النص القرآني وما ورد في الروايات والتفاسير.

العبرة:

السلطان والمال والقوة لا تجعل الإنسان مالكًا للحياة والموت، ولا تمنحه حق التكبر على خالقه. والحجة الصادقة أقوى من الغرور مهما بلغ صاحبه من نفوذ.

القصة الثانية: إبراهيم وإحياء الموتى بالطير

في موقف آخر، سأل إبراهيم عليه السلام ربه أن يريه كيفية إحياء الموتى. ولم يكن سؤاله إنكارًا للبعث، بل طلبًا لمزيد من طمأنينة القلب واليقين بالمشاهدة.

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾

سورة البقرة، الآية 260

من الإيمان إلى طمأنينة القلب

أجاب إبراهيم عليه السلام عن سؤال ربه بقوله: ﴿بَلَى﴾، أي إنه مؤمن بقدرة الله على إحياء الموتى، ولكنه أراد أن يشاهد كيفية ذلك ليزداد قلبه طمأنينة.

فأمره الله أن يأخذ أربعة من الطير، وأن يفعل بها ما أمره به، ثم يجعل على كل جبل جزءًا منها ويدعوها، فتأتيه سعيًا بإذن الله.

وقد بيّن جمهور المفسرين أن إبراهيم عليه السلام قطّع الطيور بعد أن ضمها إليه، ثم جعل أجزاءها على الجبال، فأحياها الله. أما أنواع الطيور وأسماء الجبال فلم يحددها النص القرآني.

لماذا ختمت الآية بالعزيز الحكيم؟

لأن الله تعالى عزيز لا يعجزه شيء، حكيم في خلقه وأمره وتدبيره. فإحياء الموتى ليس أمرًا مستحيلًا على من خلقهم أول مرة.

العبرة:

الإيمان الصادق لا يتعارض مع طلب زيادة العلم واليقين، كما أن القلب المؤمن يحتاج إلى التفكر في آيات الله والتأمل في عظيم قدرته.

القصة الثالثة: إبراهيم وإسماعيل ورفع قواعد الكعبة

تنتقل بنا سورة البقرة إلى مشهد عظيم من مشاهد العبادة والطاعة، حيث يرفع إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام قواعد البيت الحرام، وهما يتوجهان إلى الله بالدعاء والرجاء.

﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾

سورة البقرة، الآية 125

وقد جعل الله البيت الحرام موضعًا يرجع إليه الناس، ومكانًا للأمن والعبادة، وأمر إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام بتطهيره للطائفين والعاكفين والمصلين.

دعاء إبراهيم لأهل مكة

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾

سورة البقرة، الآية 126

دعا إبراهيم عليه السلام بالأمن والرزق لهذا البلد المبارك، وفي ذلك تذكير بقيمة الأمن وأن الرزق نعمة من الله تعالى.

رفع القواعد والدعاء بالقبول

﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾

سورة البقرة، الآية 127

ما أعظم هذا المشهد! نبيّان كريمان يقومان بعمل جليل، ومع ذلك لا يغتران بالعمل، بل يسألان الله قبوله.

إنهما يعلمان أن قيمة العمل ليست في عظمته الظاهرة وحدها، وإنما في الإخلاص لله وقبوله سبحانه وتعالى.

دعاء الذرية والأمة المسلمة

﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾

سورة البقرة، الآية 128

لم يقتصر دعاؤهما على نفسيهما، بل سألا الله الهداية والعبودية الصادقة لذريتهما، وتعليم المناسك وقبول التوبة.

الدعاء ببعثة رسول من ذريتهما

﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾

سورة البقرة، الآية 129

وفي هذا الدعاء يظهر اهتمام إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام بهداية الأجيال القادمة، وتعليم الوحي، وتزكية النفوس. وقد ذكر المفسرون أن من تمام إجابة هذا الدعاء بعثة النبي محمد ﷺ.

العبرة:

العمل الصالح يحتاج إلى إخلاص ودعاء بالقبول، كما أن صلاح الذرية وتعليم الدين من أعظم ما يدعو به المؤمن لأهله ومن يأتي بعده.

أهم الدروس والعبر من قصص إبراهيم عليه السلام

  • الثبات على التوحيد: لا ينبغي أن يخيف المؤمنَ سلطانُ الباطل أو قوته.
  • الحكمة في الحوار: الحجة الواضحة تكشف ضعف الادعاءات الباطلة.
  • اليقين بقدرة الله: الذي خلق الحياة قادر على إعادة الموتى.
  • طمأنينة القلب: العلم والتفكر في آيات الله يزيدان المؤمن يقينًا.
  • التعاون على الخير: شارك إسماعيل أباه في رفع قواعد البيت الحرام.
  • الإخلاص: حتى الأعمال العظيمة تحتاج إلى سؤال الله القبول.
  • الدعاء للأبناء: صلاح الذرية وهدايتها من أعظم المطالب.
  • فضل الأمن: دعا إبراهيم عليه السلام لمكة بالأمن والرزق.

خاتمة: من قوة الحجة إلى صدق العبادة

تجمع هذه القصص الثلاث بين أصول عظيمة من الإيمان؛ فإبراهيم عليه السلام يواجه الباطل بالتوحيد والحجة، ويسأل ربه زيادة طمأنينة القلب، ثم يعمل مع ابنه إسماعيل عليهما السلام في طاعة الله، ويدعوانه بقبول العمل وهداية الذرية.

وهكذا نتعلم أن الإيمان ليس كلمات تقال فحسب، بل يقين في القلب، وثبات على الحق، وعمل صالح، ودعاء لا ينقطع.

نسأل الله أن يرزقنا إيمانًا صادقًا، وقلبًا مطمئنًا، وعملًا متقبلًا، وذرية صالحة.

المصادر والمراجع

  • القرآن الكريم: سورة البقرة، الآية 258.
  • القرآن الكريم: سورة البقرة، الآية 260.
  • القرآن الكريم: سورة البقرة، الآيات 125–129.
  • تفسير ابن كثير، عند تفسير الآيات المذكورة.
  • تفسير السعدي، تيسير الكريم الرحمن، عند تفسير الآيات المذكورة.

تنبيه: ما ورد من تفاصيل تفسيرية خارج النص القرآني لا يُعامل على أنه نص قرآني أو حديث نبوي ثابت بمجرد اشتهاره.

نَصْرَةُ الله

قصص القرآن الكريم | عبر تهدي القلوب وتزيد الإيمان

اللهم علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا

أذكار الصباح والمساء

أَذْكَارُ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ الصَّحِيحَةُ

أذكار يومية من القرآن والسنة مع صيغها وأعدادها وفضائلها

يبدأ المؤمن يومه بذكر الله، ويختم نهاره بحمده والاستعانة به. وأذكار الصباح والمساء من العبادات العظيمة التي تجدد الإيمان، وتُذكّر العبد بربه، وتجمع بين التوحيد والاستغفار والتوكل وطلب الحفظ.

وفي هذا الدليل نعرض مجموعة واسعة من الأذكار الثابتة، مع أعدادها وأوقاتها، ونبيّن ما ثبت في الصحيحين وما ورد في السنن وصححه أو حسنه أهل العلم.

أولًا: فضل ذكر الله صباحًا ومساءً

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ۝ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾
سورة الأحزاب: 41–42
﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾
سورة الأعراف: 205

فهذه الآيات تحث المؤمن على دوام الذكر، ولا سيما في أول النهار وآخره.

ثانيًا: متى تُقال أذكار الصباح والمساء؟

من الأوقات المناسبة لأذكار الصباح ما بعد صلاة الفجر، ولأذكار المساء ما بعد العصر، وقد اختلف العلماء في تحديد بداية ونهاية كل وقت بحسب النصوص الواردة.

والأولى المحافظة عليها في أول النهار وآخره، ومن فاتته في وقتها فليحرص على ذكر الله، مع مراعاة أن بعض الأحاديث نصت على وقت مخصوص.

ثالثًا: آية الكرسي

﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾

سورة البقرة: 255.

العدد الشائع في كتب الأذكار: مرة واحدة صباحًا ومساءً.

وردت آثار وروايات في قراءتها في الصباح والمساء، وقد حسّن بعض أهل العلم ما جاء في ذلك. أما فضل قراءتها عند النوم فثابت في صحيح البخاري (2311).

رابعًا: سورة الإخلاص والفلق والناس

سورة الإخلاص: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ۝ اللَّهُ الصَّمَدُ ۝ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ۝ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾

سورة الفلق: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ۝ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ۝ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ۝ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ۝ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾

سورة الناس: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ۝ مَلِكِ النَّاسِ ۝ إِلَٰهِ النَّاسِ ۝ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ۝ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ۝ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾

العدد: ثلاث مرات لكل سورة صباحًا ومساءً.

ورد ذلك في سنن أبي داود (5082) والترمذي (3575)، وحسنه عدد من أهل الحديث.

خامسًا: سيد الاستغفار

اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ.

العدد: مرة صباحًا ومرة مساءً.

قال النبي ﷺ في فضل هذا الدعاء إن من قاله من النهار موقنًا به فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، وكذلك من قاله من الليل موقنًا به فمات قبل أن يصبح.

صحيح البخاري (6306).

سادسًا: أصبحنا وأصبح الملك لله

أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ لِلَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. رَبِّ أَسْأَلُكَ خَيْرَ مَا فِي هَذَا الْيَوْمِ وَخَيْرَ مَا بَعْدَهُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِي هَذَا الْيَوْمِ وَشَرِّ مَا بَعْدَهُ. رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَسُوءِ الْكِبَرِ، رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ وَعَذَابٍ فِي الْقَبْرِ.

العدد: مرة صباحًا.

صحيح مسلم (2723).

صيغة المساء

يقول المسلم: «أمسينا وأمسى الملك لله»، ويستبدل «هذا اليوم» بعبارة «هذه الليلة» وفق الرواية الواردة في صحيح مسلم.

سابعًا: اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا

صباحًا:

اللَّهُمَّ بِكَ أَصْبَحْنَا، وَبِكَ أَمْسَيْنَا، وَبِكَ نَحْيَا، وَبِكَ نَمُوتُ، وَإِلَيْكَ النُّشُورُ.

مساءً:

اللَّهُمَّ بِكَ أَمْسَيْنَا، وَبِكَ أَصْبَحْنَا، وَبِكَ نَحْيَا، وَبِكَ نَمُوتُ، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

العدد: مرة في كل وقت.

رواه أبو داود (5068) والترمذي، وحسنه أو صححه عدد من أهل الحديث.

ثامنًا: رضيت بالله ربًا

رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيًّا.

العدد: ثلاث مرات صباحًا ومساءً في الروايات التي ورد فيها هذا التقييد.

رواه أبو داود والترمذي وغيرهما، وقد اختلف أهل الحديث في تصحيح بعض طرقه وألفاظ فضله. وأصل الرضا بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ رسولًا ثابت المعنى في صحيح مسلم (34).

تاسعًا: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء

بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.

العدد: ثلاث مرات صباحًا وثلاث مرات مساءً.

رواه أبو داود (5088) والترمذي (3388)، وصححه أو حسنه عدد من أهل الحديث.

ويُقال مع الإيمان بالله والأخذ بأسباب السلامة والحفظ، دون ترك الاحتياطات اللازمة.

عاشرًا: اللهم إني أسألك العفو والعافية

اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي. اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي، وَآمِنْ رَوْعَاتِي. اللَّهُمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي، وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي.

العدد: مرة صباحًا ومرة مساءً.

رواه أبو داود (5074) وابن ماجه، وصححه عدد من أهل العلم.

الحادي عشر: اللهم فاطر السماوات والأرض

اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي، وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ.

ورد في أذكار الصباح والمساء والنوم عند أبي داود والترمذي، وصححه أو حسنه عدد من المحدثين.

العدد: مرة في كل وقت.

الثاني عشر: سبحان الله وبحمده

سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ

العدد: مائة مرة صباحًا ومائة مرة مساءً.

قال النبي ﷺ: «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ، لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا أَحَدٌ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ».
صحيح مسلم (2692).

الثالث عشر: التهليل مائة مرة في اليوم

لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

العدد: مائة مرة في اليوم.

ورد في الصحيحين أن من قالها مائة مرة في يوم كان له ثواب عظيم، منها كتابة مائة حسنة ومحو مائة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي.

صحيح البخاري (3293)، وصحيح مسلم (2691).

وهذا الذكر ثابت في اليوم عمومًا، فلا يلزم قصره على وقت الصباح.

الرابع عشر: أعوذ بكلمات الله التامات

أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ.

العدد: ثلاث مرات مساءً في الرواية التي ورد فيها التقييد بالمساء، وقد صحح بعض أهل العلم طرقها.

وثبت أصل هذا الذكر عند النزول في منزل في صحيح مسلم (2708).

الخامس عشر: اللهم عافني في بدني

اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي بَدَنِي، اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي سَمْعِي، اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي بَصَرِي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ.

اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ.

ورد في سنن أبي داود (5090) وغيره، وقد اختلف أهل الحديث في درجة بعض طرقه. وذُكر تكراره ثلاثًا صباحًا ومساءً في الرواية.

السادس عشر: أهمية حضور القلب عند الذكر

ليست الأذكار مجرد أعداد يكررها اللسان دون تدبر؛ بل المقصود أن يستحضر المسلم معاني التوحيد والاستعانة والشكر والتوبة.

ومن أعظم آثار الذكر أنه يربط قلب المؤمن بالله، ويعينه على مقاومة الغفلة.

﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾
سورة الرعد: 28

السابع عشر: برنامج عملي لأذكار الصباح والمساء

يمكن ترتيب الأذكار لتسهيل المحافظة عليها، دون اعتقاد أن هذا الترتيب بعينه واجب أو ثابت عن النبي ﷺ:

  1. آية الكرسي.
  2. الإخلاص والفلق والناس، ثلاث مرات لكل سورة.
  3. سيد الاستغفار.
  4. أصبحنا وأصبح الملك لله، أو أمسينا وأمسى الملك لله.
  5. اللهم بك أصبحنا، أو اللهم بك أمسينا.
  6. بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء، ثلاث مرات.
  7. اللهم إني أسألك العفو والعافية.
  8. سبحان الله وبحمده، مائة مرة.
  9. بقية الأذكار الصحيحة التي يتيسر للمسلم المحافظة عليها.

ويمكن توزيع الأذكار الطويلة بما يساعد على المواظبة دون مشقة، مع الحرص على الأعداد الواردة في الأحاديث عند أداء الأذكار المقيدة.

الثامن عشر: أخطاء شائعة

  • نسبة كل دعاء منتشر إلى النبي ﷺ دون التحقق من صحته.
  • اعتقاد أن الذكر يغني عن الأخذ بالأسباب في السلامة والعلاج.
  • إلزام الناس بترتيب واحد لجميع الأذكار.
  • إضافة أعداد مخصوصة لم تثبت في السنة.
  • الانشغال بالعد مع الغفلة التامة عن المعنى.

خاتمة: يوم يبدأ بالذكر وينتهي بالذكر

أذكار الصباح والمساء مدرسة يومية في الإيمان؛ نتعلم فيها أن نحمد الله على نعمه، ونستغفره من تقصيرنا، ونسأله العافية، ونفوض إليه أمورنا.

فلنجعل لها وقتًا ثابتًا في حياتنا، ولنعلّمها لأهلنا وأطفالنا بالرفق والقدوة، راجين من الله القبول والثبات.

﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾

سورة الرعد: 28

المصادر والمراجع


نَصْرَةُ الله

مدونة إسلامية تهتم بنشر القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة والأذكار والمعاني الإيمانية.

nosrat-allah.blogspot.com