نَصْرَةُ الله | قصص القرآن الكريم
مريم ونذر أمها وكفالة زكريا وبشارة يحيى وعيسى عليهم السلام
سورة آل عمران | الآيات 33–47
مقدمة
تعرض سورة آل عمران مشاهد عظيمة من رحمة الله وفضله على عباده، تبدأ باصطفاء آل عمران، ثم نذر أم مريم ما في بطنها لله، وكفالة زكريا لمريم عليها السلام، وبشارة زكريا بيحيى، ثم اصطفاء مريم وبشارتها بعيسى عليه السلام.
وفي هذه الآيات تتجلى معاني الإخلاص والدعاء وحسن الظن بالله، كما يظهر أن قدرة الله لا تقف عند الأسباب المعتادة التي يعرفها البشر.
أولًا: اصطفاء آل عمران ونذر أم مريم
﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
سورة آل عمران، الآيتان 33–34.
افتتحت الآيات بذكر اصطفاء الله تعالى لآدم ونوح وآل إبراهيم وآل عمران، تهيئة لبيان ما أنعم الله به على هذه الأسرة المباركة.
﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾
سورة آل عمران، الآية 35.
نذرت امرأة عمران ما في بطنها ليكون متفرغًا لعبادة الله وخدمة بيت العبادة، وسألت ربها قبول نذرها.
وتظهر في دعائها نية صادقة، إذ بدأت حياتها مع مولودها المنتظر بالتوجه إلى الله والإخلاص له.
ثانيًا: ولادة مريم والدعاء لها ولذريتها
﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾
سورة آل عمران، الآية 36.
عندما وضعت امرأة عمران مولودتها، سمّتها مريم، وتوجهت إلى الله بالدعاء أن يحفظها ويحفظ ذريتها من الشيطان الرجيم.
وفي هذا الموقف نرى عناية الأم بإيمان ابنتها وحمايتها الروحية منذ ولادتها.
ثالثًا: قبول مريم وكفالة زكريا لها
﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾
سورة آل عمران، الآية 37.
استجاب الله دعاء أم مريم، فتقبل ابنتها قبولًا حسنًا، ورعاها رعاية كريمة، وجعل زكريا عليه السلام كافلًا لها.
وكان زكريا كلما دخل على مريم المحراب وجد عندها رزقًا، فيسألها عن مصدره، فتجيبه بأنه من عند الله.
وهنا تتجلى حقيقة عظيمة: أن رزق الله واسع، وأنه سبحانه يرزق من يشاء بغير حساب.
رابعًا: دعاء زكريا وبشارته بيحيى
﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾
سورة آل عمران، الآية 38.
في ذلك الموضع دعا زكريا عليه السلام ربه أن يرزقه ذرية طيبة، متوجهًا إلى الله الذي لا يعجزه شيء.
﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾
سورة آل عمران، الآية 39.
جاءت البشارة لزكريا وهو قائم يصلي في المحراب، بأن الله سيرزقه يحيى، الذي وصفه القرآن بصفات عظيمة، منها السيادة والصلاح والنبوة.
خامسًا: تعجب زكريا والآية التي جعلها الله له
﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾
سورة آل عمران، الآية 40.
تعجب زكريا من البشارة، فقد بلغ الكبر وكانت امرأته عاقرًا، فجاءه الجواب بأن الله يفعل ما يشاء.
﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾
سورة آل عمران، الآية 41.
سأل زكريا ربه علامة، فجعل الله له ألا يكلم الناس ثلاثة أيام إلا بالإشارة، وأمره بكثرة الذكر والتسبيح.
وهكذا اقترنت البشارة بالعبادة والشكر والتوجه إلى الله.
سادسًا: اصطفاء مريم وطهارتها
﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾
سورة آل عمران، الآيتان 42–43.
أخبرت الملائكة مريم عليها السلام باصطفاء الله لها وتطهيرها، وأمرتها بالقنوت والسجود والركوع.
فكان هذا الاصطفاء تكريمًا عظيمًا، واقترن بالأمر بالمزيد من العبادة والخضوع لله.
سابعًا: التنافس على كفالة مريم
﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾
سورة آل عمران، الآية 44.
تخبر الآية عن اختلافهم فيمن يتولى كفالة مريم، وعن إلقاء أقلامهم للفصل في ذلك.
كما تؤكد أن هذا الخبر من الغيب الذي أوحاه الله إلى نبيه محمد ﷺ.
ثامنًا: بشارة مريم بعيسى عليه السلام
﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾
سورة آل عمران، الآيتان 45–46.
بشرت الملائكة مريم عليها السلام بالمسيح عيسى ابن مريم، وذكرت من صفاته أنه وجيه في الدنيا والآخرة ومن المقربين، وأنه يكلم الناس في المهد وكهلًا ويكون من الصالحين.
﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾
سورة آل عمران، الآية 47.
تعجبت مريم من أن يكون لها ولد ولم يمسسها بشر، فجاءها البيان بأن الله يخلق ما يشاء، وأن أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون.
وتثبت هذه الآية خلق عيسى عليه السلام بقدرة الله دون أب، ولا تسرد في هذا الموضع تفاصيل ولادته التي وردت في سورة أخرى.
الدروس والعبر
- الإخلاص لله من أعظم ما يبدأ به العمل الصالح.
- الدعاء للأبناء بالهداية والحفظ من أسباب الخير.
- الله يرزق من يشاء بغير حساب.
- لا ينبغي اليأس من رحمة الله بسبب صعوبة الأسباب.
- العبادة والشكر يرافقان نعم الله على عباده.
- فضل العلم والطهارة والقنوت في حياة المؤمن.
- قدرة الله تعالى لا تقف عند القوانين المعتادة للخلق.
خاتمة
تجمع هذه الآيات بين إخلاص أم مريم، وفضل الله على مريم، ودعاء زكريا، وبشارته بيحيى، ثم بشارة مريم بعيسى عليهم السلام.
وهي مشاهد تملأ القلب رجاءً وثقة بالله، وتعلمنا أن الدعاء والعبادة والإيمان بقدرته سبحانه من أعظم أسباب الطمأنينة.
اللهم ارزقنا الإخلاص، وذرية صالحة، ويقينًا بقدرتك ورحمتك.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق