بحث في المدونة

أقسام المدونة

اختر القسم لتصل إلى مقالاته

2026-10-31

قصة طالوت وجالوت في سورة البقرة

قصة مريم وزكريا ويحيى وعيسى في سورة آل عمران

نَصْرَةُ الله | قصص القرآن الكريم

قصة طالوت وجالوت في سورة البقرة

الإيمان والصبر والثبات في مواجهة القوة والعدد

الآيات 246–251

مقدمة

تروي سورة البقرة قصة جماعة من بني إسرائيل طلبوا من نبي لهم أن يبعث الله لهم ملكًا يقودهم للقتال في سبيل الله، فاختار الله لهم طالوت، ثم وقعت سلسلة من الاختبارات انتهت بمواجهة جالوت وجنوده.

وتكشف هذه القصة أن النصر لا يتحقق بكثرة العدد وحدها، بل بالإيمان والصبر والثبات والتوكل على الله تعالى.

أولًا: طلب بني إسرائيل ملكًا يقودهم

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾

سورة البقرة، الآية 246.

اجتمع جماعة من أشراف بني إسرائيل بعد زمن موسى عليه السلام، وطلبوا من نبي لهم أن يعيّن لهم ملكًا يقودهم في القتال.

وكانوا قد تعرضوا للإخراج من ديارهم وأبنائهم، فذكروا ذلك سببًا لرغبتهم في القتال.

لكن نبيهم حذرهم من احتمال التراجع إذا فُرض عليهم القتال، فأكدوا استعدادهم.

فلما كُتب عليهم القتال، تولى أكثرهم، ولم يثبت إلا قليل منهم.

وفي هذا المشهد يظهر الفرق بين إعلان الاستعداد والوفاء به عند الاختبار.

ثانيًا: اختيار طالوت ملكًا

﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾

سورة البقرة، الآية 247.

أخبر النبي قومه بأن الله اختار طالوت ملكًا عليهم، لكن بعضهم اعترض على هذا الاختيار، بحجة أنهم أحق بالملك منه وأنه لا يملك مالًا كثيرًا.

فبيّن لهم نبيهم أن الله اصطفاه، ومنحه بسطة في العلم والجسم.

وهكذا وضعت الآية معيارًا مهمًا للقيادة، وهو الكفاءة والقدرة والعلم، لا مجرد الغنى أو المكانة الاجتماعية.

ثالثًا: آية التابوت

﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾

سورة البقرة، الآية 248.

أخبرهم نبيهم أن علامة ملك طالوت هي مجيء التابوت، وفيه سكينة من الله وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون، تحمله الملائكة.

وكان ذلك آية تؤكد لهم أن اختيار طالوت كان بأمر الله تعالى.

ولا يحدد النص القرآني في هذه الآية جميع محتويات التابوت، ولذلك لا نجزم بتفاصيل لم ترد فيه.

رابعًا: اختبار النهر

﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾

سورة البقرة، الآية 249.

خرج طالوت بالجنود، فأخبرهم أن الله سيختبرهم بنهر، ونهاهم عن الشرب منه إلا من اغترف غرفة بيده.

لكن أكثرهم شربوا منه، ولم يلتزم بالأمر إلا قليل.

وبعد تجاوز النهر، ظهر خوف بعضهم من مواجهة جالوت وجنوده، بينما ثبت أصحاب اليقين، وذكّروا إخوانهم بأن الفئة القليلة قد تنتصر على الفئة الكثيرة بإذن الله.

وفي هذا الاختبار تظهر أهمية الطاعة والانضباط والصبر قبل مواجهة الشدائد.

خامسًا: دعاء المؤمنين عند مواجهة جالوت

﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾

سورة البقرة، الآية 250.

عندما واجه المؤمنون جالوت وجنوده، لجؤوا إلى الله تعالى بالدعاء.

فسألوه الصبر والثبات والنصر، لأنهم أدركوا أن القوة الحقيقية لا تكون بالعدد والعدة وحدهما، بل بتوفيق الله ومعونته.

وكان دعاؤهم جامعًا لأسباب الثبات: الصبر في القلب، والثبات في الموقف، وطلب النصر من الله.

سادسًا: انتصار المؤمنين وقتل داود لجالوت

﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾

سورة البقرة، الآية 251.

تحقق النصر للمؤمنين بإذن الله تعالى، فهزموا جالوت وجنوده، وقتل داود عليه السلام جالوت.

ثم أخبر الله تعالى أنه آتى داود الملك والحكمة، وعلّمه مما يشاء.

وتختتم الآية ببيان سنة عظيمة، وهي أن الله يدفع الناس بعضهم ببعض، ولولا ذلك لفسدت الأرض.

وهكذا تنتهي القصة بتأكيد فضل الله على عباده، وأن النصر والعلم والملك كلها من عطاياه سبحانه.

الدروس والعبر المستفادة

  • الصدق في العمل أهم من مجرد إعلان النيات.
  • القيادة تحتاج إلى العلم والكفاءة والقدرة.
  • الطاعة والانضباط من أسباب النجاح.
  • الابتلاء يكشف حقيقة الثبات والإيمان.
  • قلة العدد لا تعني حتمية الهزيمة.
  • الصبر والتوكل على الله من أسباب النصر.
  • الدعاء مصدر قوة للمؤمن في مواجهة الشدائد.
  • النصر والملك والحكمة من فضل الله تعالى.

خاتمة

تعلّمنا قصة طالوت وجالوت أن الطريق إلى النصر يمر عبر الاختبار والطاعة والصبر والثبات، وأن العبرة ليست بكثرة العدد أو المال، وإنما بصدق الإيمان والأخذ بالأسباب والتوكل على الله.

فلنستحضر دائمًا قول المؤمنين: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.

اللهم أفرغ علينا صبرًا، وثبّت أقدامنا، وارزقنا حسن التوكل عليك.

نَصْرَةُ الله

قصص القرآن الكريم | سورة البقرة

المراجع: القرآن الكريم، سورة البقرة، الآيات 246–251؛ تفسير ابن كثير وتفسير السعدي للآيات المذكورة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق