نَصْرَةُ الله | قصص القرآن الكريم
معجزات عيسى عليه السلام ومحاجّة نصارى نجران
سورة آل عمران | الآيات 48–64
مقدمة
تتناول سورة آل عمران جانبًا من رسالة عيسى عليه السلام، وتذكر المعجزات التي أيده الله بها، ثم تبين حقيقة خلقه، وتعرض الحجج القرآنية في الحوار مع من اختلفوا في شأنه.
وقد ذكر المفسرون أن من سياق هذه الآيات محاجّة وفد نصارى نجران، غير أن السورة لا تسمي نجران صراحة في هذه الآيات.
ونقف هنا عند المعاني والأحداث التي وردت في سورة آل عمران، دون إضافة تفاصيل الروايات التاريخية عن الوفد.
أولًا: تعليم عيسى الكتاب والحكمة
﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾
سورة آل عمران، الآية 48.
تذكر الآية أن الله تعالى علّم عيسى عليه السلام الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل، وأن رسالته قائمة على الوحي والعلم الذي آتاه الله.
ثانيًا: المعجزات التي أيد الله بها عيسى
﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
سورة آل عمران، الآية 49.
أرسل الله عيسى عليه السلام إلى بني إسرائيل وأيده بآيات عظيمة، منها تشكيل هيئة طائر من الطين والنفخ فيه فيصير طائرًا بإذن الله، وإبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى بإذن الله، والإخبار بما يأكل الناس وما يدخرونه في بيوتهم.
وتؤكد الآية أن هذه المعجزات كانت بإذن الله، وليست قدرة مستقلة لعيسى عليه السلام عن قدرة خالقه.
ثالثًا: دعوة عيسى إلى تقوى الله وطاعته
﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾
سورة آل عمران، الآيتان 50–51.
بيّن عيسى عليه السلام أنه جاء مصدقًا للتوراة، وأن الله أحل على يديه بعض ما كان محرمًا على بني إسرائيل.
وكان أساس دعوته واضحًا: تقوى الله وطاعته وعبادة الله وحده.
وفي قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ بيان صريح للتوحيد الذي دعا إليه.
رابعًا: الحواريون ونصرتهم لدعوة عيسى
﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾
سورة آل عمران، الآيتان 52–53.
عندما أحس عيسى عليه السلام الكفر من بعض قومه، طلب من ينصر دعوته إلى الله، فأعلن الحواريون إيمانهم واستعدادهم لنصرة الحق.
ثم توجهوا إلى الله بالدعاء، سائلين أن يكتبهم مع الشاهدين.
خامسًا: مكر المكذبين وتدبير الله
﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾
سورة آل عمران، الآية 54.
تخبر الآية عن مكر من عارضوا عيسى عليه السلام، وأن الله أبطل تدبيرهم بما شاء من حكمته وقدرته.
﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾
سورة آل عمران، الآية 55.
أخبر الله عيسى عليه السلام بأنه متوفيه ورافعه إليه ومطهره من الذين كفروا، وأن المرجع إلى الله يوم القيامة ليحكم بين المختلفين.
وقد تناول المفسرون معنى التوفي في هذه الآية، وذهب جمهورهم إلى أن الله رفع عيسى عليه السلام ولم يسلّمه إلى أعدائه.
سادسًا: الجزاء والحكم بالحق
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾
سورة آل عمران، الآيات 56–58.
توضح هذه الآيات أن الله يحكم بالعدل بين عباده، وأن الإيمان والعمل الصالح طريق الأجر، بينما الكفر والظلم سبب للعقوبة.
سابعًا: حقيقة خلق عيسى ومثل آدم
﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾
سورة آل عمران، الآيتان 59–60.
تقرر الآيات أن خلق عيسى عليه السلام دون أب ليس دليلًا على ألوهيته، بل هو من آيات قدرة الله، كما خلق آدم من تراب.
فالله يخلق ما يشاء، وأمره نافذ لا يعجزه شيء.
ثامنًا: دعوة المباهلة
﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾
سورة آل عمران، الآية 61.
بعد بيان حقيقة عيسى عليه السلام، جاء الأمر بدعوة من يستمر في المحاجّة إلى المباهلة، وهي الدعاء بأن تكون لعنة الله على الكاذبين.
وقد ربط المفسرون هذه الآية بمحاجّة نصارى نجران، مع أن اسم نجران لا يرد صراحة في النص القرآني.
تاسعًا: الدعوة إلى كلمة سواء
﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾
سورة آل عمران، الآيات 62–64.
تختتم هذه الآيات بتقرير التوحيد، ثم دعوة أهل الكتاب إلى كلمة سواء تقوم على عبادة الله وحده وعدم الإشراك به.
وفي ذلك بيان لأهمية وضوح العقيدة، وإقامة الحجة، والدعوة إلى الحق بالكلمة المبينة.
الدروس والعبر
- معجزات الأنبياء تقع بإذن الله وقدرته.
- عيسى عليه السلام رسول كريم دعا إلى عبادة الله وحده.
- الخلق على غير الأسباب المعتادة دليل على قدرة الله.
- الإيمان والعمل الصالح أساس الجزاء الحسن.
- الحوار في العقيدة ينبغي أن يقوم على العلم والحجة.
- التوحيد هو الأصل الذي دعت إليه رسالات الأنبياء.
خاتمة
تبين سورة آل عمران مكانة عيسى عليه السلام ومعجزاته، وتؤكد أن كل ذلك من فضل الله وقدرته، ثم تعرض الحجج التي تقرر حقيقة خلقه وتدعو إلى التوحيد.
فليكن تأملنا في هذه الآيات سببًا لزيادة الإيمان بالله وتعظيم رسله، والحرص على العلم والحوار بالحكمة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق